الشيخ محمد هادي معرفة
53
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
بجيوش الأكاذيب والكيد . وكان من هذه الأكاذيب أن بالغوا في مدح الشام وأهله ، وأنّ الخير كلّ الخير فيه ، والشرّ كلّ الشرّ في غيره « 1 » . وممّا قاله هؤلاء الكهنة بهذا الشأن : إنّ مُلك النبيّ سيكون بالشام ، روى البيهقيّ في الدلائل عن أبي هريرة - تلميذ كعب - مرفوعا : الخلافة بالمدينة والمُلك بالشام . وعن كعب : أهل الشام سيف من سيوف اللّه ينتقم اللّه بهم ممّن عصاه . ومن حديث : ستفتح عليكم الشام ، فإذا خُيّرتم المنازل فيها فعليكم بمدينة يقال لها : « دمشق » - وهي حاضرة الأمويّين - فإنّها معقل المسلمين في الملاحم ، وفسطاطها منها بأرض يقال لها : « الغوطة » . وقد جعلوا دمشق هذه ، هي الربوة التي ذكرت في القرآن الكريم : « وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ » « 2 » وذلك في حديث مرفوع إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وقد جعلها أبو هريرة من مدائن الجنّة أيضا في حديث رفعه إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هذا نصّه : « أربع مدائن من مدائن الجنّة : مكّة ، والمدينة ، وبيت المقدس ، ودمشق » « 3 » . وهكذا نرى معاوية الذي تعلّم من كعب كيف يضع الحديث ، يصف نفسه بأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعده بأنّه سيلي الخلافة من بعده . قال في خطبته لمّا عاد من العراق إلى الشام بعد بيعة الإمام الحسن عليه السلام سنة ( 41 ه . ) : « أيّها الناس ، إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم قال : إنّك ستلي الخلافة من بعدي ، فاختر الأرض المقدّسة ، فإنّ فيها الأبدال » « 4 » قال أبو ريّة : وما كاد
--> ( 1 ) - . أضواء على السنّة المحمّديّة ، ص 170 . ( 2 ) - . المؤمنون 50 : 23 . ( 3 ) - . أضواء على السنّة المحمّديّة ، ص 129 . ( 4 ) - . شرح نهج البلاغة ، ج 4 ، ص 72 . والأبدال ، جمع بِدْل أو بَدَل بمعنى الخَلَف أو الكريم والشريف ، عنوان يطلق على فئة خاصّة من عباد اللّه ذوي منزلة رفيعة بين أولياء اللّه . وإذا مضى أحدهم إلى جوار ربّه خلفه آخر مثله . قال ابن الأثير : هم الأولياء والعُبّاد . الواحد بِدْل كحِمْل وأحمال ، وبَدَل كجَمَل وأجمال . سمّوا بذلك لأنّهم كلّما مات واحد منهم ابدل بآخر . . . النهاية لابن أثير ، حرف الباء وفي حديث خالد بن الهيثم الفارسيّ عن الرضا عليه السلام : سأله عمّا يقول الناس : إنّ في الأرض أبدالًا : فمن هؤلاء ؟ قال : صَدَقوا ؛ الأبدال الأوصياء ، جعلهم اللّه عز وجلفي الأرض بدل الأنبياء - أي خَلَفهم - إذ رفع الأنبياء وختمهم بمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم راجع : سفينة البحار ، للشيخ عبّاس القمّيّ ، حرف الباء .